فخر الدين الرازي
124
تفسير الرازي
وإن أباك أقدم على ما لا ينبغي للتساهل وترك التحفظ فكان أمرك أحسن من أمره ، أما قوله تعالى : * ( ولقد عهدنا إلى آدم من قبل ) * فلا شك أن المراد بالعهد أمر من الله تعالى أو نهي منه كما يقال في أوامر الملوك ووصاياهم أشار الملك إليه وعهد إليه . قال المفسرون : عهدنا إليه أن لا يأكل من الشجرة ولا يقربها ، وفي قوله تعالى : * ( من قبل ) * وجوه . أحدها : من قبل هؤلاء الذين صرفنا لهم الوعيد في القرآن . وثانيها : قال ابن عباس : من قبل أن يأكل من الشجرة عهدنا إليه أن لا يأكل منها . وثالثها : أي من قبل محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وهو قول الحسن ، أما قوله : * ( فنسى ) * فقد تكلمنا فيه على سبيل الاستقصاء في سورة البقرة ، ونعيد ههنا منه شيئاً قليلاً ، وفي النسيان قولان : أحدهما : المراد ما هو نقيض الذكر ، وإنما عوتب على ترك التحفظ والمبالغة في الضبط حتى تولد منه النسيان ، وكان الحسن رحمه الله يقول : والله ما عصى قط إلا بنسيان . والثاني : أن المراد بالنسيان الترك وأنه ترك ما عهد إليه من الاحتراز عن الشجرة وأكل من ثمرتها ، وقرئ : فنسي أي فنساه الشيطان ، وعلى هذا التقدير يحتمل أن يقال : أقدم على المعصية من غير تأويل وأن يقال : أقدم عليها مع التأويل ، والكلام فيه قد تقدم في سورة البقرة ، وأما قوله : * ( ولم نجد له عزماً ) * ففيه أبحاث : البحث الأول : الوجود يجوز أن يكون بمعنى العلم ومنه ولم نجد له عزماً وأن يكون نقيض العدم كأنه قال : وعدمنا له عزماً . البحث الثاني : العزم هو التصميم والتصلب ، ثم قوله : * ( ولم نجد له عزماً ) * يحتمل ولم نجد له عزماً على القيام على المعصية فيكون إلى المدح أقرب ، ويحتمل أن يكون المراد ولم نجد له عزماً على ترك المعصية أو لم نجد له عزماً على التحفظ والاحتراز عن الغفلة ، أو لم نجد له عزماً على الاحتياط في كيفية الاجتهاد إذا قلنا : إنه عليه السلام إنما أخطأ بالاجتهاد . وأما قوله : * ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى ) * فهذا يشتمل على مسائل : إحداها : أن المأمورين كل الملائكة أو بعضهم . وثانيتها : أنه ما معنى السجود . وثالثتها : أن إبليس هل كان من الملائكة أم لا ؟ وإن لم يكن فكيف صح الاستثناء وبأي شيء صار مأموراً بالسجود ؟ ورابعتها : أن هذا يدل على أن آدم أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم أم لا ؟ وخامستها : أن قوله في صفة إبليس أنه أبى كيف لزم الكفر من ذلك الإباء وأنه هل كان كافراً ابتداء أو كفر بسبب ذلك . واعلم أن هذه المسائل مرت على سبيل الاستقصاء في سورة البقرة ، أما قوله : * ( فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى ) * ففيه سؤالات : الأول : ما سبب تلك العداوة ؟ الجواب من وجوه : أحدها : أن إبليس كان حسوداً فلما رآى آثار نعم الله تعالى في حق آدم عليه السلام حسده فصار عدواً له . وثانيها : أن آدم كان شاباً عالماً لقوله وعلم آدم الأسماء كلها ، وإبليس كان شيخاً جاهلاً لأنه أثبت فضله بفضيلة أصله وذلك جهل ، والشيخ الجاهل